مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

151

شرح فصوص الحكم

والكفار الشقاء لذلك أبقوا في النار وكذلك في الرضاء ( فقد مرض وتألم أهل العناية مع علمنا ) سعداء ممتزجين من ( أنهم سعداء أهل حق ) قوله : ( في الحياة الدنيا ) متعلق بتألم ( فمن عباد اللّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم ) فكما لا ينافي الألم السعادة في الحياة الدنيا كذلك لا ينافي في الحياة الأخرى فكما أن أهل الحق إذا تألموا في الحياة الدنيا فهم على لذة في ذلك الألم بمشاهدة ربهم فلا يشغلهم الألم عن ربهم ، فإن الألم أين من الأينيات والأين لا يشغل العارفين عن استحضار الحق كذلك أهل النار في الحياة الأخروية وإن كانوا يتألمون فهم على لذة روحانية بمشاهدة ربهم لأنهم عارفون فيها فلا يحتجبون بالألم عن الحق فلا ينافي الآلام راحتهم وقد أورد دليلا على ذلك كلام أهل اللّه بقوله : ( ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم أما بفقد ألم كانوا يجدونه فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم أو يكون نعيم مستقل زائد ) على فقد ألمهم مناسب لحالهم ( كنعيم أهل الجنان في الجنان ) قوله : ( واللّه أعلم ) يدل على توقف المصنف في هذه المسألة أقول : إن لهذا الكلام مبني وتحقيقا أما مبناه فهو أن رحمة اللّه متنوعة بلا شك رحمة خالصة من شوب الألم كما في الجنة ورحمة ممتزجة بالألم كما في الأنبياء فإن منهم من يدركهم الألم في الدنيا وهم في لذة وراحة في ذلك الألم بل الألم عين الرحمة في حقهم فهم يحسون الراحة مع حسهم الألم إذ لا ينفك نعم اللّه منهم في أيّ حال كانوا ولا ينبغي لأحد أن ينكر اجتماع الألم واللذة في طبعهم الشريفة فلما سبقت رحمته غضبه لا يكون العذاب أبدا إلا ممتزجا إذ رحمه اللّه بالنسبة إليه عامة في حق كل شيء والعذاب قد عرض باستحقاق عين الممكن بالمخالفة أو بحكمة أخرى فلزم الامتزاج من ذلك فلا ينافي الألم ظهور أثر الرحمة وهو وجدان الراحة في بعض المزاج هذا هو مبنى الكلام وأما تحقيقه فهو أن قوله : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] عام في حق كل شيء وكذلك « سبقت رحمتي غضبي » عام والنصوص الواردة في حق الكفار كلها بحسب اجتماعها وانفرادها لا تدل قطعية إلا على حرمانهم أبدا عن رحمة خالصة وهي نعيم الجنان يعني لا يخرجون عن النار أبدا ولا يدخلون الجنة وأما دلالة النصوص على أنهم لا يخلون عن العذاب أبدا على معنى لا يرتفع العذاب أصلا لا ينافي كلامهم فإن قولهم : يجوز أن يكون لهم في دار جهنم بعد التعذيب إلى ما شاء اللّه نعيم مباين لنعيم الجنان هو بعينه ممتزج بالعذاب لأن النعيم الخاص في الدار الآخرة عندهم مختص بنعيم الجنان لا يوجد في غيره فلا يخلون عن العذاب أصلا على ذلك التقدير غايته يحسون الراحة ويجدون اللذة بعد المدة المديدة ويجمعون اللذة والألم لظهور الرحمة التي سبقت في حقهم بقدر نصيبهم فيحسونها في الألم لكسب الاستعداد إلى وجدان الحس فإن العذاب متنوع فحاز أن